*- شبوة برس – د ياسر اليافعي
تؤكد الأزمات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة العربية، مرة بعد أخرى، أن العناصر المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في عدد من الدول العربية لا تنطلق في مواقفها من اعتبارات الدولة الوطنية، ولا من مقتضيات الأمن القومي العربي، بقدر ما تتحرك وفق حسابات التنظيم الدولي وأولوياته السياسية والتنظيمية، حتى عندما تتعرض دولها أو دول الجوار العربي لتهديدات وعدوان خارجي مباشر.
وفي الحالة اليمنية، يقدم حزب الإصلاح، بوصفه الفرع المحلي لجماعة الإخوان المسلمين، نموذجًا واضحًا على هذا النمط من السلوك السياسي. ففي حرب الخليج، لم يقف الحزب إلى جانب دول الخليج العربي التي كانت تواجه تهديدًا مباشرًا، بل انحاز إلى نظام صدام حسين، وشارك سياسيًا وإعلاميًا في خطاب التحريض ضد الخليج والكويت، في موقف كشف مبكرًا طبيعة الأولويات التي تحكم توجهاته.
ثم تكرر المشهد بصورة أكثر وضوحًا عندما اجتاح الحوثيون صنعاء. ففي ذلك الوقت، كان حزب الإصلاح يمتلك حضورًا واسعًا داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، وكانت لديه ألوية عسكرية، ومجاميع مسلحة، وإمكانات مالية ضخمة، ونفوذ مدني وإداري مؤثر داخل العاصمة. ومع ذلك، لم يتجه إلى مواجهة الحوثي مواجهة حقيقية تتناسب مع حجم ما كان يمتلكه من أدوات، بل بدا وكأنه يتعامل مع الحدث وفق حسابات مؤجلة وتعليمات تتجاوز المصلحة الوطنية المباشرة، وكأن المطلوب لم يكن حماية الدولة من السقوط، بل إعادة التموضع والاستعداد لجولات صراع أخرى تخدم ترتيبات مختلفة.
وعندما تدخلت دولة الإمارات العربية المتحدة لدعم القوات على الأرض، شمالًا وجنوبًا، في إطار المعركة ضد الحوثي والتنظيمات المتطرفة، كان موقف الإخوان في اليمن معاديًا لهذا التوجه بشكل واضح. ولم يكن ذلك نابعًا من رؤية وطنية يمنية مستقلة، أو من اعتراض موضوعي على شكل التدخل أو أهدافه، بل من موقف أيديولوجي وتنظيمي رافض لأي حضور إماراتي مؤثر في اليمن، بصرف النظر عن طبيعة هذا الحضور أو نتائجه على الأرض. ولذلك عملت الجماعة على استهداف الإمارات سياسيًا وإعلاميًا وعسكريًا، مستفيدة من مواقع اختراقها داخل مؤسسات الشرعية، لتقويض أي مشروع لا ينسجم مع أجندتها الخاصة.
واليوم، تعيد المواقف الصادرة عن كثير من المنصات والصفحات والشخصيات المحسوبة على هذا التيار تأكيد الحقيقة ذاتها. ففي اللحظات التي يفترض فيها الاصطفاف إلى جانب أمن الخليج واستقرار المنطقة في مواجهة التهديدات الإيرانية وأذرعها، يظهر انحياز واضح ومريب، إما بالصمت المتواطئ، أو بالتبرير، أو بإعادة توجيه البوصلة نحو خصومات جانبية، بما يخدم في المحصلة المشروع الإيراني أكثر مما يخدم الدولة الوطنية أو المنظومة العربية.
والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض الأطراف لا تزال تراهن على هذه الجماعة، وتواصل دعم تمددها في دول مثل اليمن والسودان، رغم أن التجربة السياسية أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أن هذه الجماعة لا يمكن أن تكون حليفًا موثوقًا في معارك الدولة الوطنية، ولا شريكًا حقيقيًا في حماية الاستقرار. فهي قد تقبل بالتحالف المرحلي، وقد تستفيد من الدعم المؤقت، لكنها في النهاية تبقى محكومة بولاء أعلى من ولائها للدولة، وبمرجعية تتجاوز حدود الوطن ومصالحه.
ولهذا، فإن أي محاولة لتوظيف هذه الجماعة أو استخدامها كأداة مرحلية ستنتهي، في الغالب، إلى نتيجة معاكسة. فهذه الجماعة لا تحدد مسارها وفق مقتضيات الشراكة الوطنية أو الالتزام بالمواقف القومية، وإنما وفق ما يقرره مرشدها، وما تمليه عليها حسابات التنظيم، حتى لو تعارض ذلك مع مصالح أوطانها، أو مع أمن الدول التي احتضنتها أو دعمتها في مرحلة من المراحل.
باختصار، التجربة أثبتت أن الرهان على جماعة عقائدية عابرة للحدود في معركة بناء الدولة وحماية الأمن القومي هو رهان خاسر، لأن الانتماء التنظيمي لديها يظل مقدمًا على الانتماء الوطني، والولاء للهيكل الأيديولوجي يبقى أقوى من أي التزام بالدولة أو المجتمع أو المصلحة العربية المشتركة.
#السعوديه
#الامارات
#ياسر_اليافعي