ليس هناك ما هو أشد بؤسًا من أن ترى مناضلٍ أمميٍّ في حزب ماركسي–لينيني، ينتهي به المسار إلى عقلٍ انعزالي، يخاصم التاريخ بقدر ما يخاصم الواقع.
سالم الخنبشي، الاشتراكي المعتّق، يتحدث عن حضرموت من فراغٍ معرفيٍّ لافت. وأجزم أنه لم يقرأ تاريخ حضرموت ولا تاريخ الجنوب قراءةً جادّة، ربما كان منشغلًا بقراءة المادية التاريخية أكثر من اشتغاله بالتاريخ الفعلي للمكان والناس.
حين يقول إن لحضرموت تاريخًا مستقلًا عن الجنوب، يطرح سؤالًا جوهريًا: متى كانت هناك دولة في حضرموت حتى تكون مستقلة؟ قبل عام 1967م لم تكن هناك دول في المنطقة بالمعنى القانوني والسياسي الحديث لا في حضرموت ولا في غيرها من مناطق الجنوب. عام 1967 شهد قيام أول دولة ويستفالية مكتملة الأركان على أرض الجنوب، بغضّ النظر عن طبيعة نظامها الحاكم، وهو النظام الذي كان سالم الخنبشي نفسه جزءًا منه.
ما قبل ذلك لم يتجاوز كونه سلطنات ومشيخات تقليدية، لا تنطبق عليها شروط الدول الحديثة ولا مقوماتها. وخلال آخر مئة وخمسين عامًا الأخيرة، كانت حضرموت محكومة بسلطنتين تحت الحماية البريطانية، وتُعدّ جزءًا من محمية عدن: العملة واحدة، والطيران واحد، والبريد واحد، مع هامش استقلال إداري محدود، كما هو حال معظم السلطنات في الجنوب.
لذلك، ليس من باب الرأي أو التأويل، بل من باب التوثيق التاريخي، فإن حضرموت بسلطناتها كانت ضمن محميات الجنوب العربي، سياسيًا وجغرافيًا وإداريًا، ولم تُعرّف نفسها في أي مرحلة ككيانٍ مستقل خارج هذا الإطار. والقول بعكس ذلك ليس إلا إسقاطًا سياسيًا لاحقًا، فرضته صراعات ما بعد الدولة أي ما بعد 2015، ولا يستند إلى أي سند تاريخي أو قانوني معتبر.
فمن أين جاءت إذن هذه الخصوصية المصطنعة؟ وأين كان هذا الاستقرار المزعوم؟ لقد غرقت حضرموت، كسائر المناطق، في صراعات قبلية وثأرات دموية بلغت الدماء حدّ الركب، لولا فضل الله أولًا، ثم الدور الاجتماعي والتاريخي للسيد الكاف، الذي دفع من ماله الخاص الدِيّات، وساهم في إصلاح ذات البين ووقف نزيف الدم فيما سُمّي بصلح إنجرامز..
إن تحويل التاريخ إلى أداة انتقائية لخدمة خطاب انعزالي لا يصنع وعيًا، ولا يؤسس لمستقبل. التاريخ يُقرأ كما هو، لا كما نرغب أن يكون.