*- شبوة برس - الدكتور جلال حاتم
في لحظات الحروب الكبرى لا تُصنع الرموز في قاعات السياسة، ولا في بيانات الحكومات، بل تولد غالباً في لحظةٍ إنسانية خاطفة، عندما يعلو صوتٌ صادق من قلب الميدان.
ومن هذا النوع من اللحظات تلك الصرخة التي دوّت في أرض الجنوب: "الثبات… الثبات يا رجال!".
لم تكن تلك الكلمات خطاباً سياسياً، ولا بياناً عسكرياً مكتوباً بعناية، بل كانت نداءً صادقاً خرج من أعماق قلب مقاتل جنوبي وهو يواجه غارات الطيران السعودي التي استهدفت القوات المسلحة الجنوبية داخل أراضي الجنوب. وفي مثل تلك اللحظات لا يتحدث الإنسان بلغة البلاغة، بل بلغة البقاء، بلغة الكرامة، بلغة الأرض.
حين يصبح الصوت أقوى من السلاح
قد تبدو العبارة قصيرة وبسيطة، لكنها في الحقيقة تختزل معنىً عميقاً من معاني الصمود.
ففي الحروب، يكون الهدف الأول للقوة الجوية ليس فقط تدمير المواقع العسكرية، بل كسر إرادة المقاتلين.
غير أن صرخة المقاتل الجنوبي جاءت لتقول العكس تماماً: إن القصف قد يهز الأرض، لكنه لا يهز الإرادة.
إن كلمة "الثبات" في الثقافة القتالية ليست مجرد دعوة للصمود، بل هي مفهوم كامل. فهي تعني:
- عدم التراجع رغم الخطر
- الحفاظ على المعنويات تحت النار
- حماية الصفوف من الانهيار
- تحويل الخوف إلى قوة
ولهذا جاءت العبارة مكررة: "الثبات… الثبات". فالتكرار هنا ليس أسلوباً لغوياً فحسب، بل إيقاعاً نفسياً يقاتل به المقاتل الخوف.
من لحظة عسكرية إلى رمز معنوي
التاريخ مليء بعبارات قصيرة تحولت إلى رموز كبيرة. ففي لحظات الأزمات تولد الجمل التي تختصر روح الشعوب.
وهكذا تحولت تلك الصرخة الجنوبية إلى ما يشبه الراية المعنوية التي يرفعها المقاتلون في وجه الخطر.
فهي ليست مجرد كلمات، بل رسالة تقول: إن الأرض لها رجالها، وإن القصف لا يصنع الهزيمة، وإن الإرادة قد تكون أحياناً أقوى من الطائرات.
الذاكرة الشعبية تصنع أيقوناتها
الأمم لا تتذكر فقط المعارك الكبرى، بل تتذكر أيضاً الأصوات التي خرجت من قلب المعركة. فكم من عبارة قالها جندي مجهول، ثم أصبحت جزءاً من ذاكرة شعب كامل.
وهكذا يمكن لتلك الصرخة أن تتحول مع الزمن إلى أيقونة من أيقونات الذاكرة الجنوبية؛ لأن ما يجعل العبارة خالدة ليس طولها، بل صدقها.
لقد جاءت من مقاتل لم يكن يبحث عن الشهرة، ولم يكن يكتب للتاريخ، بل كان يحاول فقط أن يحافظ على تماسك رفاقه في لحظةٍ شديدة الخطورة؛ لكن التاريخ غالباً ما يُكتب بهذه اللحظات الصادقة.
الثبات كقيمة وطنية
إن معنى الثبات يتجاوز ساحة القتال. فهو قيمة وطنية تتعلق بقدرة الشعوب على الدفاع عن كرامتها وهويتها.
الثبات يعني أن تبقى الفكرة حية حتى في أصعب الظروف.
ويعني أن لا تتحول القوة العسكرية إلى وسيلة لإلغاء إرادة الشعوب.
ولهذا فإن تلك الصرخة لم تكن مجرد نداءٍ للمقاتلين في تلك اللحظة، بل يمكن أن تتحول إلى شعارٍ أخلاقي وسياسي يلخص معنى الدفاع عن الأرض والكرامة.
حين تختصر ثلاث كلمات قصة شعب
في النهاية قد لا يحتاج التاريخ أحياناً إلى كتب طويلة كي يروي قصة الصمود.
فثلاث كلمات فقط قد تكفي.
"الثبات… الثبات يا رجال."
ثلاث كلمات خرجت من قلب المعركة، لكنها تحمل في داخلها قصة إرادة، وقصة كرامة، وقصة شعبٍ يرفض أن تنكسر إرادته تحت القصف.
ولهذا قد تمر المعارك، وتتغير التحالفات، وتتبدل موازين القوة، لكن بعض الأصوات تبقى حية في الذاكرة.
لأنها لم تكن مجرد كلمات، بل كانت روحاً كاملة تتكلم.