لقد انتهى الدرس… ولم يعد في الوقت متسع لمزيد من الانتظار أو التعويل على الأوهام. فحضرموت اليوم تطلق صرختها مدوية، صرخة شعب أنهكته سنوات طويلة من الفساد والعبث ونهب الثروات وتدمير مؤسسات الدولة.
إن أبناء حضرموت سيجدون أنفسهم يومًا ما أمام ندم طويل، إن استمروا في حالة الصمت والانتظار. فما زال البعض يعيش على وهم الإصلاح، ويعلق آماله على تحالفات خارجية أو على شرعيات سياسية مهترئة أثبتت السنوات الماضية عجزها الكامل عن إنقاذ البلاد أو حماية ثرواتها أو صون كرامة أبنائها.
لقد آن الأوان أن نضع الأمور في نصابها الصحيح، وأن نتجاوز لغة التبرير والمجاملات. فالقضية لم تعد مسألة تقييمات شكلية أو دروس وعظ وإرشاد، نمنح فيها هذا الطرف درجة "جيد جدًا" وذاك "متوسط" أو "فاشل".
الواقع أكبر وأخطر من ذلك بكثير؛ إنه واقع وطن يتعرض للاستنزاف، وشعب تنهب حقوقه وثرواته أمام مرأى الجميع. أحد عشر عامًا مضت، وحضرموت تعيش تحت وطأة الأزمات والانهيارات.. إخفاقات سياسية متلاحقة، نهب منظم للثروات النفطية، تدمير للبنية التحتية لمؤسسات الدولة، وفساد مالي وإداري وسياسي بلغ حدًا غير مسبوق حتى أصبح السمة الأبرز لهذه المرحلة.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الفساد فحسب، بل تفشت كذلك مظاهر المناطقية والعنصرية، وتحولت لدى بعض القوى إلى منهج وسلوك وأداة للهيمنة والسيطرة على ما تبقى من مقدرات البلاد. ومع استمرار هذا العبث، بدأت تظهر في حضرموت ظواهر دخيلة وسلوكيات غريبة لم يعرفها المجتمع الحضرمي يومًا، ذلك المجتمع الذي عرف عبر تاريخه الطويل بقيمه الراسخة وأخلاقه الأصيلة.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد أخطاء عابرة، بل هو مسار خطير يقود حضرموت إلى مزيد من التدهور، ويجري في ظل دعم إقليمي واضح وتواطؤ سياسي لا يمكن تجاهله.
لهذا، لم يعد أمام أبناء حضرموت ترف الانتظار أو المراهنة على حلول تأتي من الخارج. إن اللحظة الراهنة هي لحظة وعي ومسؤولية، لحظة يجب أن يستعيد فيها أبناء حضرموت زمام المبادرة، وأن يوحدوا صفوفهم، وأن يدركوا أن الشعوب التي لا تدافع عن حقوقها ولا تحمي ثرواتها لا يمكن أن تصنع مستقبلها.
إن حضرموت اليوم بحاجة إلى صحوة تاريخية حقيقية… صحوة تعيد الكرامة لأبنائها، وتحمي ثرواتها، وتوقف مسلسل العبث والنهب، وتفتح الطريق نحو مستقبل يليق بتاريخ هذه الأرض العريقة ومكانتها بين الأمم.
فلتكن هذه الصرخة بداية اليقظة… وليعلم الجميع أن إرادة الشعوب حين تستيقظ لا يمكن أن تقهر.
يبقي الجنوب كما عهدناه حراً أبياً شامخاً لا ينكسر..
✍️ ناصر العبيدي