تقرير: من يريد الحرب في اليمن؟

2016-07-26 16:43
تقرير: من يريد الحرب في اليمن؟

صورة تعبيرية من أرشيف شبوه برس

شبوه برس - خاص - دبي

 

المعادلة المعلنة للحرب اليمنية الدائرة حالياً في اليمن تشير إلى وجود عنصرين أساسيين عنصر تمثله الحكومة الشرعية برئاسة هادي وبدعم التحالف الخليجي العربي وعنصر يمثله الحوثيون وقوات صالح وحلفاؤهم الأقل حجماً ووزناً من أحزاب المشترك، ولكن هناك معادلة أخرى غير معلنة تتضمن العديد من العناصر من خارج اليمن ولديها مصلحة في استمرار القتال والمواجهات وإثارة القلاقل في هذه المنطقة الاستراتيجية الهامة التي تعد محوراً أساسياً من محاور الأمن الخليجي والاقليمي.

 

الولايات المتحدة عبر متحدثيها الرسميين وغير الرسميين تنفي وجود أية مصلحة لها داخل اليمن وتزعم أن اليمن في ذيل قائمة اهتماماتها الحالية في المنطقة. وهي ترى أن حملتها الهجومية للطائرات بدون طيار التي تعدت ضرباتها ال12 ضربة منذ بداية العام الحالي هي جزء من برنامجها الاستخباراتي المستمر لمواجهة تنظيم القاعدة في شبة الجزيرة العربية والذي أطلقته قبل اندلاع الأزمة اليمنية .  ولكن التحركات الأخيرة للحكومة الأميركية تؤكد عكس ذلك مما يشير لوجود أجندة خفية تم وضعها ويجرى إدارتها بشكل غير معلن وهي مهيأة للتطبيق على مدى زمني طويل.

 

صرح البنتاغون عبر المتحدث باسمه بيتر كوك في مايو 2016 أن استخدام قوات أميركية برية داخل اليمن وتحديداً في الجنوب سيكون فقط على المدى القصير وإن كان ليس له وقت نهائي محدد. ولكن هل هذا يعد جزء من مهمة الحكومة الأمريكية لمواجهة إرهاب القاعدة داخل اليمن أم تأسيس لتدخل أوسع؟

وفق التصريحات الأخيرة للبنتاغون فقد أرسل في الفترة الأخيرة فريق أمريكي للعمليات الخاصة في مهمة منفصلة لتقييم الأمن داخل اليمن، وإن كان الهدف المعلن للحكومة الأمريكية هو تحقيق الاستقرار الدائم في اليمن عبر المفاوضات التي تديرها الأمم المتحدة للتوصل لحل سياسي يتضمن جميع الأطراف اليمنية.

من ناحية أخرى فإن محاولة التدخل الروسي في أزمة اليمن عبر قنوات غير مرئية للتأثير على الرأي العام العالمي وبطرق مريبة يشير أن روسيا تطمح هي الأخرى للعب دور رئيسي في اليمن.

 

في تقييم الإعلام الروسي لمفاوضات الكويت أكد أن فشلها سببه تعنت الحكومة الشرعية وليس تعنت الحوثيين وصالح. كما أيد الروسيون ما أكده الحوثيون باستمرار منذ دخول صنعاء بأن اتفاق السلام والشراكة هو العقد الجامع والوحيد حتى هذه اللحظة وترى روسيا بالفعل أنها وثيقة هامة يصعب تجاهلها وفق تصريح للقائم بأعمال السفير الروسي في اليمن. وهذا يتناقض مع ما طرح من رؤى في المفاوضات الأخيرة حول اليمن باعتماد وثائق المبادرة الخليجية ونتائج الحوار الوطني وقرار 2216 بشكل أولي.

فروسيا تنوي إكمال دائرة تحركاتها السياسية والعسكرية في المنطقة لتأكيد دورها المحوري وعدم ترك المجال لوجود ثغرات صغيرة تهدد قوتها أو قوة حلفائها وهي ليست على استعداد لخسارة الكرت اليمني حتى إن كان ليس الجوكر وهو ما تلعب به حالياً داخل سوريا. وهذا ما اتضح جلياً في محاولاتها المستمرة لعرقلة أية توجهات يقودها التحالف أو الحلفاء الغربيون داخل أروقة مجلس الأمن فيما يخص الأزمة اليمنية. وهو يعد جزء من الروتين الروسي العتيد التي لا تنوي التخلي عنه في الاستمرار في ممارسات وسلوكيات سياسية مزدوجة لا لحماية اليمن واليمنيين ولكن لخلق فوضى سياسية وأمنية تدعم مواقفها الملتوية في المنطقة.

 

في تصريح أخير للواء محسن رضائي أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران قال "لقد رفضنا واستنكرنا ما قامت به السعودية من اعتداء على اليمن لأن هذا بالفعل يمثل انتهاك صريح من قبل السعودية تجاه الشعب والحكومة اليمنية"!

 ولكن عن أية شعب وحكومة تتحدث إيران؟

مثل هذه التصريحات تعكس تجاهل وليس جهل إيران بما يحدث داخل اليمن حتى وإن أصرت على عدم تورطها في الحرب اليمنية بعد أن أضحى أنصار الله ميليشيا عسكرية منظمة تنتهج الحرب كوسيلة وغاية لتأكيد تواجدها وليس لديها نية في التخلي عن سلاحها في ظل استمرار وجود خصوم لها حتى وإن اجتمعوا حول طاولة واحدة للتفاوض.

 

موافقة الحكومة اليمنية الشرعية على الاشتراك في الحلقات الجديدة من مسلسل المفاوضات اليمني في الكويت يؤكد على استمرار انتاج حلقاته من قبل أطراف النزاع وبإخراج غاية في الضعف من قبل الأمم المتحدة.

ما الذي تحقق في الشهرين الماضيين من نتائج ملموسة حتى تصر العديد من الأطراف على استمرار مفاوضات الكويت؟ وما هو الهدف الرئيسي لاستمرار اجتماع الفرقاء السياسيين اليمنيين في ظل إصرارهم على مواصلة القتال على كافة الجبهات وبدون توقف؟

التفاوض لن ينجح في الكويت أو غيرها إذا استمر الاعتماد على قنوات للتفاوض تفتقر إلى المعنى الجوهري للسلام داخل اليمن. فعدم تسلح أطراف النزاع للثقافة اللازمة لإنجاح المفاوضات جعلهم يستخدمونها كوسيلة هزلية لخلط الحقائق وإطالة أمد النزاع العسكري ومحاولة كسب الوقت لتحقيق غاياتهم.

 

خطاب رئيس الحكومة الشرعية اليمني عبدربه منصور هادي قبل انطلاق الحلقة الثانية من مفاوضات الكويت كشف عن فشلها التام وتصريحه اللاحق برفض الحكومة الشرعية الحضور والمشاركة كان بمثابة صفعة للحوثيين وصالح والخطوة الأولى الصحيحة في طريق البحث عن الاختيارات الأخرى لحل الأزمة في اليمن بشكل يخلو من الانحيازات والضغوط الدولية، ولكن هادي قرر في اللحظة الأخيرة حضور وفده واستمرارالمفاوضات العقيمة.

الهدف المطلوب من أية مفاوضات حالية بين الفرقاء اليمنيين ليس حماية كل طرف من أطراف النزاع لمصالِحِه ِأو اقتسام السلطة وإنما حماية مصالح الشعب اليمني وانتشاله من آتون الحرب والفقر والمرض. ولكن هذا ليس هو الهدف الذي يسعى إليه الفرقاء اليمنيون داخل الكويت أو خارجها. فالشعب اليمني لا يزال لا يملك حتى أبسط الأدوات في التعبير عن رأيه سواء في الجنوب أو في الشمال. وما هي الشراكة الوطنية التي ستتحقق في ظل واقع ممزق سياسيا واجتماعيا واقتصاديا يحتضن شعب مطموس الهوية لا يملك حق تحديد انتماءاته السياسية والاجتماعية والأدهى من ذلك لا يملك حق تقرير مصيره.

 

طوال فترة مفاوضات الكويت السابقة لم تتكلل أية وعود التزم بها الطرفان بالنجاح بدءا من الخطوات الأساسية مثل وقف القتال وتسليم الأسرى وتبادل الجرحى. أما آن الوقت لإعطاء الشعب اليمني حقه في التعبير عن رأيه وعرض مطالبه وإيقاف لعبة تداول كراسي السلطة بين وجوه قديمة سلبت من اليمنيين أكثر مما أعطتهم؟

إن التعامل باستخفاف وعدم جدية مع الشعب اليمني ومع مطالبه المختلفة سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية لن توصل القادة السياسيين سوى إلى طرق مسدودة مهما طالت المواجهات. فالتغيير قادم لا محالة وهذا ما أكدته ولا تزال التوجهات العديدة والمعقدة داخل المنطقة.

قاعدة الحوثيين وحليفهم صالح في التفاوض تعتمد على منهجية اعتمدوها بين مؤيديهم على المستويين المحلي والدولي وهي: أولاً، أنهم لن يفاوضون على كل شيء، ثانياً: لا يحق للحكومة الشرعية محاسبتهم على كل شيء، وأخيراً لا سلام مع التنازل عن كل شيء. مما يعني أنهم لا ينوون بتاتا التخلي عن السلطة وحتى المشاركة في حكومة وطنية لن تتم إلا وفق رؤيتهم الخاصة وهذا ما أكده تصريح محمد عبد السلام رئيس وفد الحوثيين إلى مشاورات السلام في حديث أجرته  معه البي بي سي في الكويت "القبول بأي تطبيق انتقائي"، كما قال، للقرار الدولي 2216 الذي يطالب حركته بتسليم السلاح وسحب مقاتليها من المدن والمؤسسات والعودة إلى العملية السياسية التي كانت جارية قبل اجتياح مقاتلي الحركة لصنعاء في 21 سبتمبر 2014.

 

إذن ما هو مفهوم الشراكة الوطنية في ظل الانشطارات الكبيرة داخل اليمن على مستوى القادة، الأحزاب، والمواطنين أنفسهم؟

إن فشل مندوبي الأمم المتحدة بن عمر وولد الشيخ أحمد في أكثر من قناة تفاوضية سواء داخل صنعاء أو خارجها يؤكد بأن التوجه الذي تقوده الأمم المتحدة عبر ممثليها الدوليين في حاجة لمراجعة شاملة ودقيقة. وحتى التحركات المكوكية الأخيرة التي قام بها ولد الشيخ ما بين الرياض وصنعاء أكدت على أن اهتمامه الأساسي كان إرضاء المتنازعين بأية وسيلة للحضور للكويت وكأن الحضور هناك أضحى النجاح الحتمي لمهمته الدولية على الرغم من علمه المسبق بغياب أرضية مشتركة تجمع بين الفريقين وتناقض مطالبهم بالكامل. وهو ما يشكل اهدار للوقت والمال والأهم من كل ذلك للأرواح التي تزهق بشكل يومي داخل اليمن.

التركيز على عنصر الحكومة الوطنية المشتركة بعد تعذر الوصول لحل يرضي جميع الأطراف اليمنية داخل الكويت قد يعكس مؤشر غير إيجابي ولا يعد الطريق الأسلم للبحث عن سلام دائم داخل اليمن ولتأسيس حالة الاستقرار والأمن في اليمن بشكلها الصحيح والابتعاد عن أية مجازفات مستقبلية.

 

أية حكومة وطنية بين الأضداد لن يكتب لها النجاح وتاريخ اليمن السياسي بعد مايو 1990 يؤكد على ذلك. وإن برزت شكلياً فإنها لن تستمر وسيكون الثمن باهظاً.

د.هيفاء المعشي – دبي